لسان الدين ابن الخطيب

157

الإحاطة في أخبار غرناطة

قد فلّ الدهر سباته ، وتركه يندب ما فاته ، والقاضي المترجم به يومئذ مدبّر أحكامها ، وعلم أعلامها ، ومتولّي نقضها وإبرامها ، فارتاح يوما إلى إيناسه ، واجتلاب أدبه والتماسه ، وطلب منه أن يعبّر عن حاله ببيانه ، وينوب في بثّه عن لسانه ، فكتب إليه : [ الطويل ] قفا نفسا فالخطب فيها يهون * ولا تعجلا إنّ الحديث شجون علمنا الذي قد كان من صرف دهرنا * ولسنا على علم بما سيكون ذكرنا نعيما قد تقضّى نعيمه * فأقلقنا شوق له وحنين وبالأمس كنّا كيف شئنا وللدّنا * حراك على أحكامنا وسكون وإذا بابنا مثوى الفؤاد ونحونا * تمدّ رقاب أو تشير عيون فنغص من ذاك السرور مهنأ * وكدر من ذاك النّعيم معين ونبا عن الأوطان بين ضرورة * وقد يقرب الإنسان ثم يبين أيا معهد الإسعاد حيّيت معهدا * وجادك من سكب الغمام هتون تريد الليالي أن تهين مكاننا * رويدك إنّ الخير ليس يهون فإن تكن الأيام قد لعبت بنا * ودارت علينا للخطوب فنون فمن عادة الأيّام ذلّ كرامها * ولكنّ سبيل الصابرين مبين لئن خاننا الدهر الذي كان عبدنا * فلا عجب إنّ العبيد تخون وما غضّ منّا مخبري غير أنه * تضاعف إيمان وزاد يقين وكتب إلى الحكم بن مسعود ، وهو شاهد المواريث بهذه الدّعابة التي تستخفّ الوقور ، وتلج السّمع الموقور : أطال اللّه بقاء أخي وسيدي ، لأهل الفرائض يحسن الاحتيال في مداراتهم ، وللمنتقلين إلى الدار الآخرة يأمر بالاحتياط في أمواتهم ، ودامت أقلامه مشرعة لصرم الأجل المنسّأ ، معدّة لتحليل هذا الصّنف المنشّأ من الصّلصال والحمأ . فمن ميّت يغسل وآخر يقبر ، ومن أجل يطوى وكفن ينشر ، ومن رمس يفتح وباب يغلق ، ومن عاصب يحبس ونعش يطلق ، فكلما خربت ساحة ، نشأت في الحانوت راحة ، وكلما قامت في شعب مناحة ، اتّسعت للرزق مساحة ، فيباكر سيدي الحانوت وقد احتسى مرقته ، وسهّل عنقفته ، فيرى الصّعبة بالمناصب شطرا ، فيلحظ هذا برفق وينظر إلى هذا شزرا ، ويأمر بشقّ الجيوب تارة والبحث عن الأوساط أخرى . ثم يأخذ القلم أخذا رفيقا ، ويقول وقد خامره السرور : رحم اللّه فلانا لقد كان لنا صديقا ، وربما أدبره بالانزعاج الحثيث ، وقال مستريح منه كما جاء في الحديث . وتختلف عند ذلك